محمد حسين بن قارياغدي
28
البضاعة المزجاة
« كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ » ؛ فاشتبك بسببه حتّى خالط بعضه بعضاً . « مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ » من الزرع والبقول والحشيش . « حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها » . « 1 » قال الجوهري : « الزُّخرُف : الذهب ، ثمّ يشبّه به كلّ مموّهٍ مُزوّر . والمزخرف : المزيّن » . « 2 » « وَازَّيَّنَتْ » بأصناف النبات وأشكالها وألوانها المختلفة كعروس اخذت من ألوان الثياب والزين ، فتزيّنت بها . و « ازّيّنت » أصله : تزيّنت ، فادغم . « وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها » ؛ متمكِّنون من حَصْدِها ، ورفع غلّتها . « أَتاها أَمْرُنا » ضَرب زرعها ما يجتاحه . « لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها » أي فجعلنا زَرْعها . « حَصِيداً » شبيهاً بما حُصِد من أصله . « كَأَنْ لَمْ تَغْنَ » ؛ كأن لم يغن زرعها ؛ أي لم يلبث . والمضاف محذوف في الموضعين للمبالغة ، وقرئ بالياء على الأصل . « بِالْأَمْسِ » فيما قُبيله ، وهو مَثَلٌ في الوقت القريب ، والممثّل به مضمون الحكاية ، وهو زوال خضرة النبات فجأةً ، وذهابه حُطاماً بعد ما كان غَضّاً ، والتفّ وزيّن الأرض حتّى طمع فيه أهله ، وظنّوا أنّه قد سلم من الجوائح لا الماء ، وإن وليه حرف التشبيه ؛ لأنّه من التشبيه المركّب . « كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ » « 3 » ؛ فإنّهم المفتنون به . ( فكونوا عباد اللَّه ) أي يا عباد اللَّه . ( من القوم الذين يتفكّرون ) في الآيات الدالّة على فناء الدنيا ، وسرعة زوالها ، ويجدون ما هو الغرض الأصلي منها . ( ولا تركنوا إلى الدنيا ) وأهلها الذين يميلون إليها ، ويتّخذونها دار استيطان . قال الفيروزآبادي : « ركن إليه - كنصر وعلم ومنع - ركوناً : مالَ ، وسكن » . « 4 »
--> ( 1 ) . تفسير البيضاوي ، ج 3 ، ص 193 . ( 2 ) . الصحاح ، ج 4 ، ص 1369 ( زخرف ) . ( 3 ) . يونس ( 10 ) : 24 . ( 4 ) . القاموس المحيط ، ج 4 ، ص 229 ( ركن ) .